صديق الحسيني القنوجي البخاري
108
فتح البيان في مقاصد القرآن
لأنك ظهرت بخلاص أمتك ، وانقاذ تراب أبائك ، هكذا نقل عن ابن رزين الطبري . أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه اللّه تعالى في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم : « وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوي السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وانقاذ مسيحك » . فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة ظهر الرب من جبال فاران ، ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات ، وما ذاك إلا رسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن قالوا المراد مجيء اللّه تعالى ، ولهذا قال في آخر الكرم : وانقاذ مسيحك . قلنا لا يجوز وصف اللّه تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور ، وبأنه جاز المشاعر القديمة ، وأما قوله : وانقاذ مسيحك فإن محمدا عليه السّلام أنقد المسيح من كذب اليهود والنصارى . والرابع : ما جاء في كتاب شعيا في الفصل الثاني والعشرين منه « قومي فازهري مصباحك ، يريد مكة فقد دنا وقتك وكرامة اللّه تعالى طالعة عليك ، فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب ، والرب يشرق عليك إشراقا ، ويظهر كرامته عليك ، تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك ، وارفعي بصرك إلى ما حولك ، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بعيد لأنك أم القرى ، فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر . حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ، ويحج إليك عساكر الأمم ، ويساق إليك كباش مدين ، ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم اللّه ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران ، ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا » . فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر ، وقوله أحدث لبيت محمدتي حمدا ، معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، ثم صار في الإسلام : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ، فهذا هو الحمد الذي جدده اللّه لبيت محمدته . فإن قيل : المراد بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد . قلنا : لا يجوز أن يقول الحكيم قد دنا وقتك مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه . وأيضا فإن كتاب شعيا مملوء من ذكر البادية وصفتها وذلك يبطل قولهم .